أحمد مصطفى المراغي
18
تفسير المراغي
إنه ثالث ثلاثة ، وقوم يقولون إنه كاذب في دعواه النبوة ، كما نسبوا مريم إلى ما هي منزهة عنه ، وقالوا إن النبي المبشّر به في التوراة هو يوشع عليه السلام أو هو نبي آخر يأتي آخر الدهر . إلى نحو ذلك مما اختلفوا فيه ، وأنه لا يحكم إلا بالعدل ، فقوله الحق وقضاؤه الفصل . ثم أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يتوكل عليه فإنه حافظه وناصره ، وأن يعرض عن أولئك الذين لا يستمعون لدعوته ، لأنهم صم بكم لا يعقلون ، والذكرى لا تنفع إلا من له قلب يعى ، وآذان تسمع دعوة الداعي إلى الحق فتستجيب لها . الإيضاح ( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) أي إن هذا القرآن الذي أنزلته إليك أيها الرسول يقص على بني إسرائيل الحق في كثير مما اختلفوا فيه ، وكان عليهم لو أنصفوا أن يتبعوه ، لكنهم لم يفعلوا وكابروا مع وضوح الحق وظهور دليله كما تفعلون أنتم أيها المشركون . ثم وصف القرآن بقوله : ( وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي وإنه لهاد للمؤمنين إلى سبيل الرشاد ، ورحمة لمن صدّق به وعمل بما فيه . وبعد أن ذكر فضله وشرفه أتبعه دليل عدله فقال : ( إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) أي إن ربك يقضى بين المختلفين من بني إسرائيل بحكمه العادل ، فينتقم من المبطل منهم ، ويجازى المحسن بما يستحق من الجزاء ، وهو العزيز الذي لا يردّ حكمه وقضاؤه ، العليم بأفعال العباد وأقوالهم ، فقضاؤه موافق لواسع علمه . وبعد أن أثبت لنفسه العلم والحكمة والجبروت والقدرة أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يتوكل عليه وحده فقال :